اسماعيل بن محمد القونوي
106
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 62 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) قوله : ( الوصف بكمال العلم والقدرة ) أي المشار إليه ما فهم من الفحوى من كمال القدرة أي على كل شيء ويدخل فيه القدرة على تغليب بعض الأمور على بعض دخولا أوليا وتعرض العلم هنا تنبيها على أنه المراد فيما مر إذ الأفعال الاختيارية لا توجد بدون علم فعلي وقيل وكمال العلم الدال عليه سميع بصير ولا يخفى ما فيه إذ العلم غير السمع والبصر عند الجمهور « 1 » على أن العلم المفهوم منهما علم بالمسموعات والمبصرات والمراد علم جميع الأشياء . قوله : ( الثابت في نفسه الواجب لذاته وحده فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه عالما بذاته وبما عداه أو الثابت الإلهية ولا يصلح لها إلا من كان قادرا عالما بذاته ) الثابت في نفسه قد مر تفصيله في أول السورة قوله أو الثابت الإلهية عطف على قوله الثابت في نفسه وتفسير آخر للحق لكنه خلاف الظاهر لأنه على هذا يكون صفة جاءت على غير من هي له مع الظاهر أنه صفة لموصوفه ولذلك لم يتعرض له في أول السورة . قوله : الثابت في نفسه الخ يعني أن الحق من حق يحق إذا ثبت والثبوت يحتمل معنيين إما ثبوته في نفسه وذاته من غير علة خارجة عن ذاته وهي معنى وجوب الوجود فإذا كان ثابتا في نفسه واجبا لذاته يلزمه أن يكون مبدأ للكل قادرا عليه عالما بذاته وبمقدوراته وأما ثبوت صفته وهي الإلهية التي لا يصلح لها إلا من استجمع القدرة والعلم وهذا هو معنى التسبيب المستفاد من الباء فإن قلت قوله عز من قائل : وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [ الحج : 62 ] معطوف على سبب وصفه تعالى بكمال العلم والقدرة وهو قوله : بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [ الحج : 62 ] والعطف على السبب يقتضي أن يكون المعطوف سببا له أيضا فما وجه التسبيب في المعطوف قلت وجهه مبني على البرهان الموسوم في علم الكلام بالبرهان التمانعي فإن وجود إله سواه يقتضي عجز أحدهما أو كليهما والعجز ينافي القدرة فالتفرد بالوحدانية المفهوم من قوله : وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [ الحج : 62 ] يلزمه الاتصاف بالقدرة التامة على الكل ومعنى التسبب في المعطوف الذي هو وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ الحج : 62 ] ظاهر قوله على الأشياء في تفسير العلي وقوله على أن يكون له شريك في تفسير الكبير يشيران إلى أن قوله : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ الحج : 62 ] منصرف من حيث المعنى إلى قوله : بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [ الحج : 62 ] وإن قوله الكبير منصرف من حيث المعنى إلى قوله : بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [ الحج : 62 ] وإن قوله الكبير منصرف إلى قوله : وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ [ الحج : 62 ] ولا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا إشارة إلى معنى القصر المستفاد من ضمير الفصل في وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ الحج : 62 ] .
--> ( 1 ) قيد عند الجمهور لأن الشيخ أبا الحسن الأشعري ذهب إلى أن السمع والبصر راجعان إلى صفة العلم .